ثلاث سنوات على بداية أزمة المفقودين في قطاع غزة وعائلاتهم ما تزال تجهل مصير أبنائها

ثلاث سنوات على بداية أزمة المفقودين في قطاع غزة وعائلاتهم ما تزال تجهل مصير أبنائها

ترجمة المقال:

قال المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا إن ثلاث سنوات من الحرب على قطاع غزة خلّفت أزمة ممتدة من المفقودين والمخفيين قسرًا ومجهولي المصير، ولا تزال عائلات آلاف الأشخاص تجهل حتى اليوم ما حل بأبنائها. ويؤكد المركز أن استمرار هذه الأزمة بعد مرور ثلاث سنوات يتطلب تحركًا جادًا وفعالًا للكشف عن مصير المفقودين، وتحديد أماكن وجودهم، وتمكين عائلاتهم من معرفة الحقيقة.

وقدّر المركز وجود أكثر من 7 آلاف مفقود في قطاع غزة، بينهم نحو 4 آلاف تحت الأنقاض، فيما قدر وجود أكثر من 2500 شخص يُشتبه في تعرضهم للإخفاء القسري خلال الحرب على قطاع غزة، استنادًا إلى عمليات التوثيق والمتابعة وشهادات العائلات والمعلومات المتوفرة حول ظروف فقدانهم.

ولفت المركز إلى أنّ قضية المفقودين والمخفيين قسرًا في غزة تمثل واحدة من أبرز القضايا الإنسانية والحقوقية التي خلّفتها الحرب، خصوصًا في ظل استمرار غياب المعلومات الرسمية حول مصير آلاف الأشخاص، وعدم تمكين عائلاتهم من معرفة ما إذا كانوا قد قتلوا، أو ما زالوا على قيد الحياة، أو تعرضوا للاعتقال.

ووثق المركز عشرات الحالات لأشخاص فقدوا منذ السابع من أكتوبر 2023 في مناطق حدودية مختلفة من قطاع غزة، في ظروف لم تتمكن عائلاتهم من معرفة ما جرى لهم فيها.

وتشير المعلومات التي جمعها المركز إلى أن عددًا من هؤلاء الأشخاص كانوا دون سن الثامنة عشرة، فيما كان جزء من المفقودين قد توجه إلى المناطق الحدودية بدافع مشاهدة الأحداث التي بدأت في ذلك اليوم، قبل أن تنقطع أخبارهم بشكل كامل.

وتواجه عائلات هؤلاء الأشخاص صعوبة كبيرة في تحديد ما إذا كان أبناؤها قد فقدوا حياتهم في المنطقة، أو جرى اعتقالهم، أو نقلهم إلى أماكن أخرى. وفي جميع الحالات، لم تحصل العائلات على معلومات رسمية تمكنها من معرفة مصير أبنائها حتى الآن.

وأكّد المركز أن عدم وجود معلومات موثوقة حول مصير هؤلاء الأشخاص، رغم مرور ثلاث سنوات، يستوجب إجراء عمليات بحث وتحقيق فعالة، والكشف عن أي معلومات متوفرة بشأنهم.

وشدّد على أن حالات الإخفاء لم تتوقف عند بداية الحرب، بل استمرت منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى بعد وقف إطلاق النار المعلن في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ونبّه المركز إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي اتبعت الإخفاء القسري كسياسة ممنهجة خلال حربها على قطاع غزة، واستخدمته ضمن أدوات العقاب الجماعي والضغط على الفلسطينيين، من خلال حرمان العائلات من المعلومات الأساسية حول مصير أبنائها.

واستتد المركز في هذا التقييم إلى استمرار رفض سلطات الاحتلال الإعلان الكامل عن أسماء المعتقلين الفلسطينيين في سجونها، وعدم الكشف عن مصير أشخاص فقدوا في المناطق الحدودية، سواء أكانوا قد فقدوا حياتهم أم تعرضوا للاعتقال.

وأشار المركز إلى استمرار القيود المفروضة على الزيارات إلى أماكن الاحتجاز، بما يحول دون حصول العائلات على معلومات مباشرة بشأن أقاربها، إضافة إلى إعادة مئات الجثامين التي كانت محتجزة لدى سلطات الاحتلال دون إرفاق معلومات كافية تسمح بتحديد هويات أصحابها أو ظروف وفاتهم.

وحذّر من أنّ حجب هذه المعلومات، ومنع العائلات من الوصول إلى أي إجابات بشأن مصير أبنائها، لا يؤدي فقط إلى تعطيل جهود البحث والتوثيق، وإنما يضاعف معاناة الأسر ويطيل حالة عدم اليقين التي تعيشها منذ سنوات.

واعتبر أنّ استمرار هذا النهج، في ظل معرفة الجهات المحتجزة للمعلومات بمصير عدد من الأشخاص، يشكل وسيلة لتعميق معاناة العائلات ومعاقبتها نفسيًا، وإبقاء أفرادها في حالة مستمرة من القلق والانتظار.

وأشار المركز كذلك إلى معاناة عائلات آلاف الأشخاص الذين يُعتقد أنهم فقدوا حياتهم تحت أنقاض المباني المدمرة، في ظل استمرار عرقلة إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لعمليات البحث والانتشال، ما يحول دون الوصول إلى الجثامين والتعرف عليها ودفنها بكرامة، ويُبقي عائلاتهم في حالة من الانتظار وعدم اليقين بشأن مصيرهم. 

وشدّد على أن حق العائلات في معرفة مصير أقاربها ليس مطلبًا إنسانيًا فحسب، وإنما حق مقرر بموجب القانون الدولي الإنساني.

وينص البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، في المادة 32، على أن تطبيق الأحكام المتعلقة بالمفقودين والمتوفين يجب أن يستند أساسًا إلى “حق العائلات في معرفة مصير أقاربها”. كما تنص المادة 33 على التزام أطراف النزاع بالبحث عن الأشخاص الذين أُبلغ عن فقدانهم، وتبادل المعلومات المتعلقة بهم بما يسهل عمليات البحث.

كما تتضمن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 أحكامًا تتعلق بالمعلومات الخاصة بالأشخاص المحميين، وآليات نقل هذه المعلومات والاستجابة للاستفسارات المتعلقة بهم. وتضع اللجنة الدولية للصليب الأحمر المادة 26 من الاتفاقية ضمن الأحكام القانونية المرتبطة بقضية المفقودين وأسرهم.

وبموجب هذه القواعد، لا ينبغي أن تبقى العائلات دون معلومات عن مصير أقاربها، كما تقع على أطراف النزاع مسؤولية اتخاذ الإجراءات اللازمة للبحث عن المفقودين وتحديد مصيرهم وتزويد عائلاتهم بالمعلومات المتاحة.

ومن خلال تواصله مع مئات عائلات المفقودين والمخفيين قسرًا، لاحظ المركز أن جميع هذه العائلات تعاني من آثار نفسية وذهنية مرتبطة باستمرار عدم معرفة مصير أبنائها.

ولفت المركز إلى أن التفكير المستمر في مصير المفقود، وعدم القدرة على معرفة ما إذا كان حيًا أو متوفى، يضع أفراد الأسرة في حالة من القلق المستمر ويؤثر في قدرتهم على ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.

وفي عدد من الحالات التي تابعها المركز، تضررت صحة الآباء والأمهات نتيجة الإرهاق النفسي والجسدي الناجم عن التفكير المستمر في مصير أبنائهم، والبحث المتواصل عن أي معلومة يمكن أن تقدم إجابة حول ما حدث لهم.

وأكّد أن هذه المعاناة لا تنتهي بمرور الوقت، بل قد تتفاقم كلما طال غياب المعلومات، خصوصًا عندما لا تتوفر للعائلات جهة قادرة على تقديم إجابة واضحة أو مسار رسمي للبحث عن أبنائها.

وطالب المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالكشف الفوري عن المعلومات المتعلقة بجميع الفلسطينيين الذين فقدوا خلال الحرب، والإعلان عن أسماء المعتقلين وأماكن احتجازهم، وتمكين الجهات الدولية المختصة من الوصول إليهم.

ودعا إلى الكشف عن مصير الأشخاص الذين فقدوا في المناطق الحدودية لقطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وتحديد ما إذا كانوا قد قتلوا أو اعتُقلوا، وتقديم المعلومات المتعلقة بمكان وجودهم أو ظروف وفاتهم.

وحثّ المركز على  تمكين الجهات الإنسانية والحقوقية المختصة من الوصول إلى أماكن الاحتجاز، وضمان حق العائلات في تلقي المعلومات المتعلقة بأبنائها، وتوفير آليات فعالة للبحث عن المفقودين والتعرف على جثامين من فقدوا حياتهم وإعادتها إلى عائلاتهم.

وطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه أزمة المفقودين في قطاع غزة، والعمل على إنشاء آلية مستقلة وفعالة للتحقيق في حالات الفقد والإخفاء القسري، وجمع المعلومات والأدلة، وتحديد مصير الأشخاص الذين لا تزال عائلاتهم تنتظر إجابات بشأنهم.

وأكّد المركز أن مرور ثلاث سنوات على بدء الحرب لا يسقط حق أي عائلة في معرفة مصير أحد أفرادها، ولا يعفي أي جهة من مسؤوليتها عن البحث عن المفقودين والكشف عن الحقيقة. فبالنسبة إلى آلاف العائلات في غزة، لم تنتهِ الحرب مع توقف القتال؛ إذ لا يزال مصير أبنائها مجهولًا، ولا يزال حقها في معرفة الحقيقة قائمًا.