في وقت تحتفل فيه دول الشرق الأوسط بعيد الأم، تعيش بعض العائلات في قطاع غزة هذا اليوم بألمٍ وحسرة، حيث يتحول من مناسبة للاحتفاء والالتفاف حول الأم إلى يومٍ يبحث فيه الأبناء عن أمهاتهم في قوائم المفقودين، ويعيشون مصيرًا معلّقًا لا تُعرف نهايته.
من بين هذه العائلات، تعيش عائلة “سالم” ألم فقدان والدتهم “زينب سالم”، التي فُقد أثرها بعد أن غادرت منزل العائلة بحثًا عن ابنها المفقود، في واحدة من مئات الوقائع التي تعكس تعقيدات الحرب وآثارها الممتدة على المدنيين.
يقول “باسم سالم”، نجل السيدة “زينب”، إن القصة بدأت عندما قرر شقيقه التوجه إلى منزل العائلة في مشروع بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، عقب تداول أنباء بين السكان عن تراجع القوات الإسرائيلية من بعض المناطق.
خلال حرب الإبادة على غزة، خاطر كثير من السكان بالذهاب للاطمئنان على منازلهم، حتى وإن كانت تقع قرب مناطق تُصنّف بـ”الخطرة”، إذ دفعتهم مرارة النزوح وغياب المأوى إلى المجازفة بالعودة، على أمل العثور على منازلهم بحالة جيدة تمهيدًا للعودة إليها.
ويوضح “سالم” أن هذه المحاولات لم تكن استثنائية، إذ كان كثير من السكان، في ظل النزوح القسري ونقص الاحتياجات الأساسية، يلجؤون إلى المخاطرة بالعودة إلى منازلهم لتفقدها أو استرجاع ما يمكن إنقاذه من الطعام والملابس، رغم المخاطر الأمنية العالية.
ويضيف أن شقيقه كان قد حاول الوصول إلى المنزل في اليوم السابق دون أن ينجح، ما دفع العائلة إلى تحذيره من تكرار المحاولة، مؤكدين له أنهم لا يحتاجون شيئًا من المنزل في ظل خطورة الوضع. إلا أنه، في اليوم التالي، غادر بمفرده دون علمهم، قبل أن ينقطع الاتصال به بشكل كامل. ومع حلول المساء، بدأت العائلة تدرك أنه توجه بالفعل إلى المنطقة الشمالية، لتبدأ رحلة بحث شاقة لم تُفضِ إلى أي نتيجة.
حاولت العائلة، بحسب “سالم”، الوصول إلى أي معلومة حول مصير الابن، سواء عبر التواصل مع جهات إنسانية أو من خلال الاستفسار الميداني، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل. وفي ظل غياب المعلومات، دخلت الأم في حالة من القلق الشديد، حيث لم تتقبل فكرة اختفائه، وظلت تعتقد أنه لا يزال في المنزل وبحاجة إلى من ينقذه.
ويصف “سالم” حالة والدته خلال تلك الفترة بأنها كانت تعيش “صراعًا مفتوحًا مع الخوف”، مشيرًا إلى أن العائلة حاولت تهدئتها دون جدوى، قبل أن تبدو وكأنها استعادت بعض الهدوء بعد مرور أكثر من أسبوع على اختفاء ابنها، غير أن هذا الهدوء لم يدم طويلًا.
في صباح أحد أيام الجمعة، تفاجأت العائلة باختفاء الأم من المنزل، في واقعة غير مألوفة بالنسبة لها. ويؤكد “سالم” أنها غادرت دون إبلاغ أحد، كما لم تنجح أي من محاولات الاتصال بها، فيما حالت الظروف الأمنية وخطورة الطرق دون تمكن العائلة من الوصول إلى المنطقة التي يُرجّح أنها توجهت إليها.
ويرجّح “سالم” أن والدته أقدمت على هذه الخطوة مدفوعة باعتقاد راسخ بأن ابنها لا يزال داخل المنزل، وأنها قادرة على الوصول إليه وإعادته، رغم المخاطر. ومنذ ذلك الحين، لم تتوفر أي معلومات مؤكدة حول مصيرها أو مصير ابنها، ليُضاف اسماهما إلى قائمة المفقودين في قطاع غزة.
لا يقتصر أثر هذه الحادثة على فقدان فردين من العائلة، بل يمتد ليشمل تفككًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا. ويوضح “سالم” أن والدته كانت تمثل عنصر التماسك الأساسي داخل الأسرة، حيث لعبت دورًا محوريًا في التخفيف من وطأة الحرب على أبنائها، وهو ما جعل غيابها يخلّف فراغًا كبيرًا وحالة من التيه والاكتئاب بين أفراد العائلة.
تندرج هذه الواقعة ضمن سياق أوسع من حالات المفقودين والمخفيين قسرًا في قطاع غزة، حيث تفقد عائلات عديدة الاتصال بأقاربها في ظروف غامضة، دون توفر معلومات كافية حول مصيرهم أو أماكن وجودهم. ووفقًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، فإن الإخفاء القسري يُعد انتهاكًا جسيمًا، لا يقتصر على حرمان الأفراد من حريتهم، بل يشمل أيضًا معاناة عائلاتهم التي تُترك في حالة انتظار مفتوح، بين الأمل والخوف، دون إجابات.
وحتى اليوم، ما تزال عائلة “سالم” تعيش صراعًا كبيرًا، لا يتمثل فقط في ألم فقدان والدتهم أو الاشتياق لها، بل أيضًا في عدم معرفة مصيرها ومصير شقيقهم الأصغر، وعدم التيقن مما حلّ بهما. فهم يعيشون في دوامة مستمرة من الأسئلة التي لا إجابات لها: هل قُتلا خلال توجههما إلى المنطقة الخطرة، أم تم اعتقالهما واقتيادهما إلى جهة مجهولة؟
وبحسب القانون الدولي الإنساني، تفرض هذه الحالات التزامات قانونية على الجهات المعنية للكشف عن مصير المفقودين، وضمان حق عائلاتهم في المعرفة، وهو حق أساسي لا يسقط بالتقادم.
بالنسبة لـ”سالم”، لا تزال القصة مفتوحة على كل الاحتمالات، رغم قسوتها. يقول: “نحن متمسكون بالأمل بأن أمي وأخي على قيد الحياة، وربما محتجزان. نحاول بكل الطرق أن نعرف أي شيء عنهما”.
في عيد الأم، لا تحمل هذه العائلة باقة ورد، ولا كلمات تهنئة. كل ما تملكه هو انتظار طويل، وسؤال واحد يتكرر: أين أُمنا؟



