أحمد المدهون.. براءة “متلازمة داون” التي ضلت طريقها نحو المجهول

أحمد المدهون.. براءة “متلازمة داون” التي ضلت طريقها نحو المجهول

ترجمة المقال

لم يكن “أحمد” في منطقة أبراج المقوسي -حيث يسكن شمال غربي مدينة غزة- مجرد شابٍ عادي، بل كان “الروح” التي تمشي على قدمين بالنسبة للحي بأكمله، والجيران الذين استأنسوا بحديثه وعشقوا رفقته.

أحمد المدهون (21 عاماً)، الشاب الذي رسمت “متلازمة داون” ملامحه بفيضٍ من البراءة، كان يملك ابتسامة مميزة تسرق القلوب دون استئذان. اعتاد أحمد أن يجمع الأقارب والجيران حوله، ناثراً بينهم أحاديثه المرحة، لكن الحرب سرقته من تفاصيلهم، وغيبته في دروبٍ غير معلومة، ليتحول ذلك الصخب الجميل إلى مساحةٍ من الأسى، ومصيرٍ مجهول يبحث عنه أحبته في غياهب الفقد.

 

براءة في وجه النزوح والجوع

وعلى الرغم من أن أحمد لم يكن يعي تماماً ماهية الحرب وتوازناتها، إلا أنه نال نصيباً وافراً من أوجاعها؛ إذ أجبرته عمليات الإخلاء القسري -التي فرضها الجيش الإسرائيلي على سكان مدينة غزة وشمالها- إلى ترك منزله. إذ نزح مع عائلته نحو الجنوب حيث لا مأوى يقيه، وعانى كبقية السكان من المجاعة، ونقص الكساء والاحتياجات الأساسية.

يروي ابن عمه، محمد المدهون، بمرارة كيف تبدل حال أحمد خلال الحرب قائلاً: “أحمد الذي كان يملأ المائدة بضحكاته ويستمتع بلمّة العائلة، صار نحيفاً جداً. لقد سرقت المجاعة نضارة وجهه، لكنها لم تستطع سرقة رغبته في إضحاك الناس”. ورغم الوهن، ظل أحمد متمسكاً بتفاصيله الصغيرة، يوزع الابتسامات في مراكز النزوح كما كان يفعل في أزقة المقوسي، وكأنه يرفض أن تعيد الحرب تشكيل قلبه كما أعادت تشكيل جسده.

 

السبت الحزين: رحلة بلا عودة

في صباح العاشر من مايو 2025، ارتدى أحمد “قميصه التوتي” المفضل الذي ابتاعه لعيد الفطر. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحاً حين خرج كعادته متوجهاً نحو “دوار الصاروخ” في نهاية شارع الجلاء شمالي مدينة غزة؟ لم يكن يعلم وهو يخطو خطواته الواثقة، أنه يسير نحو فخ “المجهول”.

خرج أحمد لممارسة نشاطه المحبب في المشي واستكشاف شوارع مدينته، لكن هذه المرة ضلت الخطى طريق العودة. وبسبب حالته الذهنية، تعتقد العائلة أنه أكمل مسيره من الدوار باتجاه عمق الشمال، حيث تتربص الآليات العسكرية. يقول محمد: “قلبنا الدنيا بحثاً عنه.. أحمد لا يدرك الخطر، ومن المرجح أنه دخل منطقة تواجد الجيش دون أن يعي ما يحيط به. غيابه هذه المرة لم يكن كسابق عهده، لقد تأخر أحمد كثيراً”.

ويوضح محمد أن طبيعة حالة أحمد تجعله لا يتعامل مع الغرباء ولا يستمع لحديثهم، ما يعني أنه حتى لو حاول البعض تحذيره من إكمال المسير نحو المناطق الخطرة، فإنه غالباً لم يستجب.

بين الركام والزنازين.. مصيرٌ معلق

يضع غياب أحمد عائلته أمام خيارين كلاهما مُر؛ فإما أن براءته لم تشفع له أمام رصاصٍ لا يميز، أو أنه يقبع الآن في مركز احتجاز مجهول، مجرداً من أوراقه الثبوتية ومن قدرته على التعبير عن نفسه وفهم ما يدور حوله.

“والدة أحمد يقتلها البكاء كلما لاح طيفه”، هكذا يصف محمد حال العائلة التي جفت مآقيها انتظاراً لخبر. فبالنسبة لهم، لم يكن أحمد رقماً في إحصائية، بل كان الحياة التي تملأ أركان المنزل.

قضية أحمد ليست معزولة، بل هي حلقة في سلسلة “الإخفاء القسري” التي باتت ظاهرة تفشت في قطاع غزة. فوفقاً لتوثيقات المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً (PCMFD)، نحو 7آلاف شخص فقدوا منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، بينهم عشرات من ذوي الإعاقة الذين يواجهون خطراً مضاعفاً بسبب عدم قدرتهم على استيعاب التعليمات العسكرية المعقدة.

اليوم، يظل مصير أحمد معلقاً بين “قميصه التوتي” الذي شوهد به لآخر مرة، وبين نداءات حقوقية تطالب بالكشف عن مصيره. هي صرخة في وجه عالمٍ يراقب بصمت اختفاء إنسانٍ لم يرتكب إثماً سوى أنه ضلّ طريقه في زمنٍ ضاعت فيه كل الطرق.