يتابع المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا ببالغ الاهتمام والقلق المعطيات الموثقة الصادرة عقب تسلّم اللجنة الدولية للصليب الأحمر قائمة بأسماء الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية، والتي ضمّت أكثر من 8,000 أسير من مختلف مناطق الأراضي الفلسطينية، من بينهم 828 أسيراً من قطاع غزة جرى إبلاغ عائلاتهم بوضعهم.
وعقب المكالمات التي أجرتها فرق الصليب الأحمر، تبيّن أن عائلات 127 أسيراً من أصل 828 أسيراً من قطاع غزة لم تكن تعلم أن أبناءها ما زالوا على قيد الحياة.
تُثبت هذه المعطيات الصادمة، وبما لا يدع مجالاً للشك، جريمة الإخفاء القسري الممنهجة التي ترتكبها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين في قطاع غزة من أجل الإمعان في تعذيبهم وتعذيب عائلاتهم ضمن سياسة العقاب الجماعي، إذ إن بقاء 127 عائلة فلسطينية في جهل تام بمصير أبنائها الأحياء طوال هذه المدة يؤكد أن مئات العائلات الأخرى لا تزال تعيش لوعة الفقد ظناً منها أن الجيش الإسرائيلي قتل أبناءها في حوادث متفرقة أو تحت أنقاض المباني المدمرة، بينما هم محتجزون سراً داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية.
ويؤكد المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً، استناداً إلى عمليات التوثيق الميداني وبلاغات العائلات، أن إدراج 828 أسيراً فقط من قطاع غزة ضمن القائمة المسلمة للجنة الدولية للصليب الأحمر يعكس قائمة منقوصة وغير مكتملة لا تمثل الحجم الحقيقي لأعداد المعتقلين والمغيبين؛ فوفقاً لتقديرات المركز وبياناته الموثقة، لا يزال هناك أكثر من 7,000 مفقود في قطاع غزة، من بينهم ما يتراوح بين 2,500 إلى 3,000 شخص يُشتبه في تعرضهم للاختفاء القسري بعد اعتقالهم من المنازل والمستشفيات ومراكز الإيواء والحواجز العسكرية والمناطق الحدودية، فضلاً عن نحو 4,000 إلى 5,000 مفقود يُعتقد أنهم تحت الأنقاض، ما يعني أن مصير الآلاف من أبناء القطاع ما يزال مجهولاً ومغيباً بسبب السياسات الإسرائيلية الممنهجة.
ويشدد المركز على أن تعمد حجب أسماء ومصائر المعتقلين والإفصاح الانتقائي أو المتأخر عن قوائم جزئية يمثل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006 التي تحظر الاحتجاز السري وتلزم بتسجيل جميع المحرومين من حريتهم وإتاحة المعلومات لذويهم، وكذلك المادتان 32 و33 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 والمادة 26 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تكرس أساساً قانونياً وإنسانياً لا يسقط بالتقادم يتمثل في “حق العائلات الأصيل في معرفة مصير أقاربها”.
ويحذر المركز من أن استمرار هذا النهج في التعتيم وحرمان الأهالي من حق المعرفة والشفافية يضع آلاف الأسر في دوامة من التعذيب النفسي والشك المستمر وحالة عدم اليقين القاتلة، كما يشير إلى أن غياب الرقابة الحقوقية واستمرار منع الزيارات يحوّل السجون الإسرائيلية إلى مراكز احتجاز سرية تُخفى فيها البيانات والأوضاع الصحية والقانونية للمعتقلين تماماً عن العالم الخارجي.
ويحمل المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية التامة عن حياة وسلامة جميع المعتقلين والمخفيين قسراً من قطاع غزة، مطالباً بتدخل دولي مُلزم لإجبار السلطات الإسرائيلية على الكشف الفوري والشامل عن قوائم دقيقة وغير منقوصة تضم أسماء كافة المعتقلين منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم، بمن فيهم المحتجزون في المعسكرات العسكرية السرية وغير المعترف بهم حالياً، وتحديد أماكن احتجازهم أو الكشف عن ظروف وفاة من قضوا داخل السجون.
كما يطالب المركز، في هذا السياق، المجتمع الدولي والأمم المتحدة والأطراف السامية المتعاقدة بالضغط الفوري لإلزام سلطات الاحتلال بالسماح لطواقم اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية والطبية المختصة بزيارة كافة السجون ومراكز الاحتجاز فوراً ودون قيود، والاطلاع المباشر على الأوضاع الصحية والمعيشية للمعتقلين، وإتاحة بيانات شفافة ومحدثة حول أوضاعهم القانونية، وتمكينهم من حقهم المكفول قانوناً في التواصل المنتظم مع عائلاتهم لإنهاء حالة القلق والانتظار القسري التي تعيشها آلاف الأسر.
وحثّ المركز على فتح تحقيق دولي مستقل وفعال في جريمة الإخفاء القسري الممنهجة التي يتعرض لها سكان قطاع غزة، ومحاسبة المسؤولين عن احتجاز المدنيين سراً وحجب مصائرهم، مؤكداً أن الكشف عن بقاء 127 مفقوداً على قيد الحياة داخل السجون هو دليل دامغ على أن قضية المفقودين لا يمكن اختزالها في قوائم جزئية، وأن العدالة الإنسانية والقانونية لن تكتمل إلا بكسر جدار التعتيم الإسرائيلي وتمكين كل عائلة فلسطينية من حقها الأصيل والناجز في معرفة الحقيقة الكاملة حول مصير أبنائها.





