ورقة حقائق: محددات وعوائق توثيق أعداد المفقودين والمخفيين قسراً في غزة

ورقة حقائق: محددات وعوائق توثيق أعداد المفقودين والمخفيين قسراً في غزة

ترجمة المقال:

المقدمة
تستعرض هذه الورقة الأسباب الميدانية واللوجستية والقانونية التي تحول دون إصدار إحصاءات دقيقة وشاملة حول أعداد المفقودين والمخفيين قسراً في قطاع غزة، بما في ذلك توزيعهم الديموغرافي (أطفال/نساء) وأماكن فقدانهم. وتعتبر هذه المعطيات عوائق بنيوية تواجه طواقم التوثيق والفرق القانونية.

أولاً: عوائق الوصول الجغرافي والميداني
السيطرة العسكرية والمناطق العازلة: يخضع نحو 56% من مساحة قطاع غزة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية أو تُصنف كمناطق عازلة يُحظر الوصول إليها. هذا المنع يحرم طواقم الدفاع المدني والإسعاف والفرق القانونية من انتشال الجثامين أو إجراء توثيقات دقيقة لمن كانوا في تلك المناطق.

حجم الدمار وكثافة الركام: تسبب القصف الواسع في تدمير أكثر من 70% من المنازل والمنشآت المدنية في كامل قطاع غزة؛ مما أدى إلى تراكم أكثر من 70 مليون طن من الأنقاض. ومع نقص المعدات الثقيلة والوقود، أصبح من المستحيل تقنياً التيقن مما إذا كان الشخص مفقوداً (تحت الركام) أو معتقلاً أو نازحاً في منطقة أخرى.

تحلل الجثامين تحت الأنقاض: يؤدي بقاء الجثامين لأشهر طويلة تحت الركام إلى تحللها شبه الكامل؛ مما يطمس ملامح الهوية ويجعل التعرف عليها مستحيلاً دون فحوصات مخبرية معقدة (DNA) غير متوفرة حالياً.

ثانياً: سياسات الاحتجاز وتسليم الجثامين
التكتم على بيانات المعتقلين: ترفض السلطات الإسرائيلية الإعلان عن أسماء مئات المواطنين الذين اختفوا خلال رحلة النزوح من الشمال إلى الجنوب، أو الذين اعتُقلوا من مراكز الإيواء، وترفض الإفصاح عن أماكن احتجازهم أو حالتهم الصحية.

تسليم جثامين مجهولة الهوية: تعيد إسرائيل جثامين لأشخاص اعتُقلوا خلال الحرب أو جثثاً اختُطفت من المقابر وهي في حالة تحلل كامل؛ مما يضطر الأهالي والطواقم الطبية لدفنها في مقابر جماعية دون القدرة على تحديد الجنس أو العمر أو الهوية. فمن أصل 480 جثمانًا أعادتهم إسرائيل إلى قطاع غزة، دفنت وزارة الصحة 377 جثمانًا دون التعرف على هويتهم

تجريف المقابر الجماعية وسرقة الرفات: دمرت إسرائيل نحو 93% من مقابر قطاع غزة، وعمدت خلال ذلك إلى تنفيذ عمليات نبش للقبور، واختطفت مئات الجثامين؛ مما أدى إلى تشتت الرفات واختلاطها وضياع الشواهد والعلامات التي وضعها الأهالي، مما يجعل مطابقة الجثامين مستقبلاً أمراً بالغ الصعوبة.

ثالثاً: التحديات الاجتماعية واللوجستية (نظام المعلومات)

انهيار المنظومة المعلوماتية: أدى انقطاع الكهرباء والإنترنت وتدمير المقرات الصحية والحكومية إلى توقف تحديث البيانات. كما أن مسح عائلات كاملة من السجل المدني يعني عدم وجود من يُبلغ عن المفقودين منهم.

النزوح المتكرر وتشتت العائلات: تسببت أوامر الإخلاء المتكررة وانقطاع الاتصالات في فقدان العائلات لأقاربهم دون معرفة مصيرهم، وما إذا كانوا عالقين في مناطق أخرى أو تعرضوا للاعتقال أو القتل.

الدفن الاضطراري والسريع: دُفن الكثير من الضحايا الذين قتلوا في بيوتهم أو أثناء النزوح بواسطة “أشخاص غرباء” (حفاظاً على كرامة المتوفى) دون معرفة هويتهم أو إبلاغ ذويهم؛ مما أبقى مصيرهم مجهولاً لدى عائلاتهم حتى اللحظة.

رابعاً: طمس الأدلة الرقمية والذاكرة التوثيقية

تدمير ومصادرة الأجهزة المحمولة: تعرضت آلاف الهواتف الذكية التي تحتوي على الصور الأخيرة ومقاطع الفيديو للتدمير جراء القصف، أو المصادرة عند الحواجز العسكرية، وهي الأجهزة التي كانت تمثل الدليل الوحيد على آخر نقطة تواجد للمفقود.

تلف أنظمة المراقبة المحلية: دمر القصف أنظمة الكاميرات المنزلية والتجارية التي كانت توثق عمليات المداهمة أو الاختطاف، كما تسبب انقطاع التيار الكهربائي بتعطيل عملها؛ مما أدى لضياع أدلة مرئية حاسمة كانت ستساعد في تحديد الجهة المسؤولة عن الإخفاء.

الخاتمة:
غياب الأرقام الدقيقة لتوثيق أعداد المفقودين وونوعهم وأماكن اختفائهم، ليس مجرد قصور تقني، بل هو نتاج تداخل معقد بين العمليات العسكرية المباشرة وانهيار البنية التحتية المعلوماتية وسياسات الإخفاء القسري.
توصي هذه الورقة بضرورة تشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق وتأمين دخول معدات المختبرات الجنائية لضمان حق العائلات في معرفة مصير ذويهم.

ملاحظة: تعتمد الأرقام المرفقة على آخر تحديثات صادرة عن منظمة OCHA وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والمرصد الأورومتوسطي، والمكتب الإعلامي الحكومي ووزارة الصحة في غزة.