“هل لديكم أي أخبار عن أبنائي؟ ما زلت أنتظر مكالمة منكم تخبرونني بشيء جديد حول مصيرهما”، بهذه الكلمات الممزوجة بالدموع، تروي “أنهار حجاج” (42 عامًا)، حكايتها التي تختصر مأساة أمهات الآلاف في قطاع غزة، حيث لم تكتفِ الحرب بحصد الأرواح، بل تركت الأمهات يعايشن واقعًا مرًا عنوانه الانتظار القاتل.
“حجاج” التي تمضي أيامها بحسرة بين اليقين بفقدان نجلها الأول، والمجهول الذي يكتنف مصير نجليها الآخرين، تعيش ألمًا مضاعفًا مع دخول شهر رمضان المبارك. بينما تجتمع العائلات حول مائدة واحدة، ويتشاركون لحظات جميلة كالتسوق معًا، والصلاة معًا، تزداد غصة “حجاج”، وينبض قلبها بآلام جديدة ومتجددة؛ إذ تجد نفسها وحيدة أمام ذكريات أبنائها الثلاثة، وتتساءل بحرقة: “ليش أنا يصير فيّ هيك؟ ثلاثة يروحوا مني؟ فراس استشهد، وفيصل وفاروق مفقودين”.
تقول “حجاج” إن رمضان يحل هذا العام على خيمتها الممزقة وهي تفتقد “سنديها” اللذين كانا يتدبران شؤون الإفطار والسحور: “كانوا هما اللي بيجيبوا كل شي إلنا.. هلقيت رزقتنا بس من رب العالمين”. وبدلاً من أن يساعدها أبناؤها في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة، تجد نفسها تخرج لجمع الحطب من الشوارع لتشعل ناراً لتأدية مهام الطبخ في ظل القيود على دخول غاز الطهي إلى القطاع، وخاصة أن زوجها يعاني من مرض يمنعه من الحركة بسهولة. تتساءل “حجاج” بلوعة: “أنا أم لثلاثة شباب.. ليش ألمّ حطب من الشوارع؟”.
بدأت مأساة عائلة “حجاج” في 22 مارس 2024 بعد مقتل ابنهم الأكبر فراس (26 عامًا) في قصف إسرائيلي، وبعد نحو عام كامل أمضته في محاولة التماسك والصبر على فقدان فلذة كبدها، صُدمت “حجاج” بحادثة اختفاء ابنيها الاثنين “فيصل” (21 عامًا) و”فاروق” (25 عامًا). إذ خرج الشقيقان في 18 أبريل 2025 في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، ومنذ ذلك اليوم لم يعودا، ولم يُعرف أي خبر عنهما.
وبحسب والدة الشابين المفقودين، انقطع الاتصال بهما عند الساعة الخامسة مساءً في منطقة الشجاعية، وهي المنطقة التي كانت تشهد في ذلك التوقيت واليوم ذاته تواجدًا عسكريًا مكثفًا وانتشارًا لقوات الاحتلال الإسرائيلي، مما يعزز فرضية تعرضهما للاعتقال أو الاستهداف المباشر. ومنذ ذلك الحين، يرفض الاحتلال تقديم أي معلومة رسمية عنهما أو عن أي مختفٍ قسرًا، ليدخلا في “الثقب الأسود” للإخفاء القسري.
تقول “حجاج” إنها تعاني على الصعيد النفسي بشكل كبير، فهي لا تعرف الاستقرار أو الراحة، وفي كل مرة يعلو فيها صوت الهاتف المحمول، تقفز للإجابة على أمل أن يكون اتصالاً يحمل في طياته خبراً عنهما. تصف الأم المكلومة حجم الفراغ الذي تعيشه بعد فقد أبنائها الثلاثة، إذ إنهم لم يكونوا مجرد أبناء، بل كانوا أصدقاءها وسندها في الحياة: “كانوا أصحابي، مش ولادي.. كانوا نظري وسندي وعزوتي”.
“أنا راضية يكونوا معتقلين.. عايشين ومعتقلين أهون من ميتين”؛ تعتقد حجاج أن خبر وجودهما في السجون الإسرائيلية -مع قسوته ومع علمها بتعرضهما للتعذيب- سيكون مفرحًا لها لأنه سيمنحها بصيص أمل بلقاء حتى لو تأخر.
قصة “حجاج” ليست إلا فصلاً واحداً من مأساة كبرى يعيشها قطاع غزة، حيث تشير التقديرات الحقوقية الصادرة عن المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً إلى وجود نحو 7,000 مفقود منذ بداية الحرب، معظمهم انقطع أثرهم في مناطق توغل عسكري مماثل، أو عند نقاط انتظار المساعدات، أو بالقرب من حاجز” نيتساريم” الذي كان يفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه في الفترة ما بين نوفمبر 2023 ويناير 2024.
آلاف عائلات المفقودين والمختفيين قسراً يشاركون “حجاج” نفس “الوجع المعلق” ونفس الموائد الرمضانية الناقصة، في ظل تغييب قسري للمدنيين يضرب بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية واتفاقية حظر التعذيب. المفقودون والمخفيون قسراً ليسوا مجرد أرقام إحصائية، بل هم حكايا انتظار معلق على أمل “خبر” قد يأتي أو لا يأتي.





