في صباح السابع من أكتوبر 2023، ومع سريان الأنباء الأولى للأحداث العسكرية على الحدود الشرقية، خرج خالد أبو حمادة (22 عامًا) من منزل العائلة في مخيم البريج لاستطلاع ما يجري في المنطقة الشرقية. لم يحمل معه سوى هاتفه المحمول. ومنذ ذلك الصباح، انقطع الاتصال به تماماً، وغاب أثره دون أي أثر أو دليل يحدد مكان وجوده.
لكن خالد لم يكن يعلم أن رحلته الاستكشافية هذه لن تغيبه وحده فقط، بل ستتسبب أيضًا بتغييب والدته.
لم يكن خالد بالنسبة لوالدته السيدة انتصار أبو حمادة مجرد ابن عادي، كان صغيرها ومدللها وأنيسها في المنزل. أم خالد، السيدة الستينية، التي لم تكن عيناها تنامان خلال تواجد خالد في عمله خارجًا.
فكانت لا تمل من انتظاره وقدومه للمنزل حتى تطمئن عليه وتخلد للنوم.
لفظت أنفاسها الأخيرة وهي تنادي عليه
مع امتداد الهجمات الجوية والبرية، قُصف منزل عائلة أبو حمادة في المخيم ودُمّر بالكامل. وأصبحت العائلة بلا مأوى، واضطرت أم خالد (62 عاماً) مع بقية أفراد أسرتها للنزوح داخل إحدى مدارس الإيواء التابعة للأونروا.
في المدرسة، حيث كان آلاف النازحين يتكدسون في الفصول والساحات، لم تكن أم خالد تعنيها مظاهر النزوح أو شح المواد الغذائية؛ كان بالها مشغولًا بالكامل إلى غياب ابنها الصغير. ومع مرور الأسابيع دون ورود خبر واحد عنه، بدأت صحتها النفسية والجسدية بالتدهور المباشر.
خلال الشهر الثالث للنزوح، أصيبت أم خالد بانتكاسة صحية وعقلية حادة، حتى بدأت تفقد ذاكرتها وتجهل وجوه أبنائها وأقاربها المحيطين بها. ورغم فقدانها للقدرة على التمييز، ظل اسم واحد يتردد على لسانها طوال ساعات النهار والليل: “خالد”.
وبحسب شهادة عائلة أبو حمادة للمركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، فقد كانت والدتهم تمسك بأيدي الغرباء والنازحين في ساحة المدرسة وتتوسل إليهم: “برّدوا ناري.. بس قولولي خالد حي ولا استشهد؟”. وفي الليل، عندما يهدأ المخيم، كانت تنادي بصوت ضعيف: “هل ما زلت على قيد الحياة يا نور عيني يما يا خالد؟”.
لكن قلب أم خالد لم يحتمل هذا العذاب طويلاً.، إذ في 29 يناير 2024—أي بعد ثلاثة أشهر على اختفاء خالد- توقفت عضلة قلب أم خالد داخل فصل في مدرسة الإيواء. رحلت دون أن تتلقى الإجابة التي ظلت تستجديها حتى لحظاتها الأخيرة.
إجراءات بلا نتائج
تواصلت عائلة أبو حمادة مراراً مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجهات الحقوقية المختصة لتقديم بلاغ رسمي عن اختفاء نجلها. واقتصرت ردود المؤسسات على أخذ البيانات التفصيلية وصورة عن هويته دون تقديم أي معلومات تثبت احتجازه أو تتبع مسار اختفائه.
ولا يزال خالد واحداً من آلاف الفلسطينيين الذين انقطعت آثارهم منذ بدء الحرب في قطاع غزة، حيث تحول ملف المفقودين إلى أزمة إنسانية واجتماعية صامتة؛ إذ تترك حالة “عدم اليقين” العائلات معلقة بين الأمل والحداد، وتتسبب في مضاعفات صحية ونفسية قاتلة لذويهم.
ووفقاً للوثائق الميدانية الصادرة عن المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً، فإن ظاهرة غياب الآثار دون تأكيد احتجاز أو العثور على جثامين تصنف حقوقياً في إطار المخاطر الجسيمة للاختفاء القسري. وينص القانون الدولي الإنساني على حق العائلات غير القابل للتقادم في معرفة مصير أقاربهم المفقودين، وإلزام أطراف النزاع بالكشف عن قوائم المحتجزين والمتوفين.





