أعرب المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً عن بالغ قلقه وإدانته الشديدة للعمليات الممنهجة التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي لتفتيت ونقل ركام الأحياء المدمرة في قطاع غزة، محذراً من أن هذه الخطوة تمثل حكماً بالإعدام المعنوي على مئات المفقودين تحت الأنقاض، وطمساً متعمداً للأدلة الجنائية اللازمة لكشف مصيرهم.
ويشير المركز، استناداً إلى معطيات ميدانية وتقارير حقوقية نشرها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ بنقل مئات الأطنان من الركام يومياً.
وقال المركز إن هذه العمليات لا تجرى كجزء من جهود إنسانية للبحث عن الضحايا، بل تتم بشكل أحادي وعشوائي داخل مناطق عسكرية مغلقة. كما أشار إلى أن هذا الإجراء العنيف يؤدي إلى سحق ما تبقى من جثامين الضحايا ورفاتهم، وخلط الأشلاء بالركام والنفايات، مما يستحيل معه مستقبلاً إجراء أي فحوصات للحمض النووي (DNA) أو التعرف على هويات المفقودين، والذين يُقدر المركز عددهم الإجمالي بحوالي 7,000 مفقود، من بينهم نحو 4,000 إلى 5,000 شخص ما زالوا محتجزين تحت الأنقاض دون التمكن من انتشالهم.
ويؤكد المركز أن المواقع المدمرة لا يمكن التعامل معها كمجرد “مخلفات بناء” كما تُسوق إسرائيل في تضليل خطير، بل هي في الواقع مقابر مؤقتة و”مسارح جريمة” تضم تحتها مئات المفقودين، وهي شواهد حية على جرائم الإبادة الجماعية وتتطلب الحفظ والتوثيق وليس التدمير والتجريف.
وينوه المركز الفلسطيني للمفقودين إلى أن إتلاف هذه الرفات يُعد انتهاكاً صارخاً لـ اتفاقيات جنيف لعام 1949 (ولا سيما الاتفاقية الرابعة) والبروتوكول الإضافي الأول (المادة 34)، والتي تفرض على القوة القائمة بالاحتلال التزاماً قانونياً حازماً باحترام رفات الموتى وتسهيل البحث عنهم، والتعرف على هوياتهم، وتيسير وصول عائلاتهم إليهم لدفنهم بكرامة. وإن الاستمرار في هذه الممارسات يضاعف من العذاب النفسي والتعذيب المستمر لآلاف العائلات الفلسطينية التي تعيش في حالة من عدم اليقين، ويحرمها من أبسط حقوقها الإنسانية والقانونية في معرفة مصير أحبائها واستعادة رفاتهم لدفنهم وفقاً للشعائر الدينية.
كما يحذر المركز من أن تجريف هذه المعالم الجغرافية والمكانية يعرقل بشدة أية جهود مستقبلية لتتبع مسارات وحالات الإخفاء القسري التي طالت مئات المدنيين في تلك المواقع قبل تدميرها، ويمحو بشكل متعمد الأدلة التي قد تقود يوماً إلى أماكن احتجازهم أو تصفيتهم.
وفي ضوء هذه التطورات الخطيرة، يطالب المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً المجتمع الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتدخل العاجل لإلزام إسرائيل بالوقف الفوري لعمليات هدم ونقل الركام في كافة المناطق التي يُعتقد بوجود مفقودين فيها. ويتوازى هذا المطلب مع ضرورة ممارسة ضغط حقيقي للسماح الفوري بدخول فرق الإنقاذ، وخبراء الطب الشرعي، والأدلة الجنائية، واللجان الدولية المستقلة للوصول إلى هذه المواقع؛ للبدء في عمليات انتشال الضحايا وتوثيق أماكن الرفات بما يضمن التعرف على هوياتهم، إنفاذاً للمواثيق والأعراف الدولية.
كما يشدد المركز على حتمية تحييد ملف المفقودين عن أي تجاذبات سياسية، مؤكداً أن أية خطط مستقبلية تتعلق بإزالة الركام يجب أن تضع قضية انتشال الرفات وحفظ الأدلة كأولوية قصوى لا تقبل المساومة. ويتطلب هذا أن تتم جميع الخطوات بشفافية كاملة وتحت إشراف جهات دولية وفلسطينية متخصصة، وبمشاركة فاعلة من عائلات المفقودين.
وفي هذا السياق، ينبه المركز أن مشاركة الشركات المدنية المتورطة في هذه العمليات في تدمير وإخفاء رفات الضحايا والأدلة الجنائية يجعلها شريكة في التستر على جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، ويعرض مسؤوليها للملاحقة القانونية والدولية.
المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً يشدد على أن الزمن لا يسقط حق العائلات في الحقيقة، وأن محاولات إسرائيل دفن جرائمها تحت الركام، أو نقله خارج القطاع، لن تمحو الحقيقة الموثقة بآلاف البلاغات وشهادات العائلات المكلومة.





